محمد رجب سيد

الأحد، 15 سبتمبر 2013

المانيفستو العسكري


التبسيط جميل
التبسيط مريح
التبسيط مخل

التفسيرات البسيطة للأمور جميلة ومريحة، لا نحتاج معها لأن نتعب أنفسنا في التفكير والبحث والتعمق في كافة جوانب الأمر الذي نود فهمه. يكفي أن نرى جانبًا واحدًا (أو حتى ما نظن أنه جانب) من هذا الأمر لنطلق عليه حكمًا ثم نشعل سيجارتنا ونأخذ نفسًا عميقًا وقد قمنا بحل معضلة الكون.

ولكن الأمر ليس بهذه البساطة
فكثيرًا ما تتعقد الظواهر المحيطة بأمر ما أو حتى بشخص ما وتتعدد بما يتطلب منا أن نقرأ الأمر من مختلف زواياه.

مثال:
الجدران مليئة الآن بعبارات مثل

السيس خائن، السيسي قاتل، السيسي كاره للإسلام،

احتمال قائم أن تكون هذه الصفات كلها صحيحة (الثانية لا غبار عليها بحال من الأحوال). لكن هل هذا هو السبب الوحيد لما نحن فيه الآن؟ اسمحوا لي أن أشكك في هذا وأزعم أن الظاهرة أكثر تعقيدًا من هذا الصفات التبسيطية التي تملأ جدراننا في هذه الأيام.

أحيانًا ما يقدم الفن تفسيرات لا تختلف في تبسيطها واختزالها وسطحيتها عن هذه التفسيرات، وأحيانًا أخرى ما يقدم تفسيراتٍ عميقة تسبر غوار النفس البشرية، لتقوم بتشريحها وتعريتها وفضح مكنوناتها أمامنا بكل وضوح. 


مثال على ذلك الفيلم الأمريكي A Few Good Men. في هذا الفيلم يسقط أحد جنود المارينز في قاعدة جوانتانامو قتيلًا على يد اثنين من زملائه في الليلة التي ينبغي ترحيله فيها من تلك القاعدة إلى قاعدةٍ أخرى. يشتبه محامي الدفاع دانييل كافي (توم كروز) في إصدار أمرٍ يسمى "Code Red" لهذين الجنديين ليقوما بعقاب زميلهما. هذا الأمر عبارةً عن عقاب غير رسمي للجنود غير الملتزمين في تلك القاعدة، وقد كان القتيل منهم.

تبدأ عندئذ محاولات عدة للكشف عن تلك الجريمة وحقيقة إصدار هذا الأمر من قائد الكتيبة العميد ناثان جيسوب. وهو شخص صعب المراس قليل الكلام متجهم دائمًا يلعب دوره الممثل العبقري جاك نيكلسون.في النهاية يستدعي كافي العميد جيسوب للشهادة ليبدأ في استفزازه في مشهد شهير جدًا جدًا يجب أن تراه لتدرك ما أقصد.

بعد سلسلة من الاستفزازات يسأل العميد جيسوب المحامي كافي هل ترغب في إجابة على أسئلتك فيرد نعم أنا أرغب في إجابة على أسئلتي أرغب في معرفة الحقيقة، فيرد عليه جيسوب بمقولته الشهيرة "أنت لا تستطيع تحمل الحقيقة" (You can't handle the truth) ثم يكمل فيما يبدو أنه خطاب قصير ليقول ما يلي:



"يا ولدي نحن نعيش في عالم محاطٍ بالأسوار، هذه الأسوار لن يحميها إلا رجال مسلحون. من سيؤدي هذه المهمة؟ أنت؟ أنت أيها الملازم واينبرج؟ لدي مسئوليات أعظم بكثير مما قد تتخيل. ها أنت تبكي على سانتياجو وتلعن جنود مشاة البحرية. لديك هذه الرفاهية، الرفاهية هي أنك لا تعلم ما أعلم. رغم أن موت سانتياجو هو أمر محزن إلا أنه غالبًا قد أنقذ أرواحًا عديدة. رغم أنك ترى في وجودي أمرًا كريهاً ومبهمًا، إلا أنه ينقذ أرواح الناس.
 أنت لا ترغب في معرفة تلك الحقيقة، لأنه في داخل أغوار نفسك، في أماكنٍ لا تتحدث عنها بالحفلات، أنت ترغب في وجودي على هذا السور، ترغب في وجودي هناك.
تنطق شفانا بكلمات مثل الشرف والقانون والإخلاص، ننطق بهذه الكلمات كأساس لحياة قضيناها في الدفاع عن شيء ما، ولكنك تستعملها على سبيل التندر.

ليس لدي الوقت ولا الرغبة في توضيح موقفي لشخص ينام ويصحو تحت مظلة الحرية التي أمنحه إياها، ثم يأتي ليطرح تساؤلات حول الأساليب التي أتبعها لمنحه هذه الحرية. كان من الأفضل لو شكرتني ومضيت لحال سبيلك. وإلا فإني أقترح عليك أن تحمل سلاحًا وتقف في نقطة حراسة. وبخلاف ذلك فإني لا آبه بما تظن ولا بما تستحق"

 هذا الكلام يستحق أن يطلق عليه "المانيفستو العسكري". هذا الكلام الذي تفتق عنه مؤلف هذا الفيلم الذي يعيش في دولة مدنية ديمقراطية. لكنه يدرك العقلية التي يفكر بها حامل السلاح. يدرك أن من يحمل السلاح يرى أنه حامي الحمى، أنه من يضع حياته على المحك لنحيا نحن دون أن يحصل على المقابل. إنه يرى أن المقابل أن نتركه يمنحنا تلك الحرية (أو الحياة) دون أن نتسائل عن الأساليب التي يتبعها لتنفيذ هذا الأمر، من نحن لنتسائل عمن يمنحنا مظلة الحرية وعن أساليبه، لو رغبنا في ذلك فعلينا أن نحمل سلاحًا ونقف لنحمي حريتنا بأنفسنا. هذا هو البيان عما يدور في أذهان العديد من العسكريين الذين لا يرون فينا سوى دجاجٍ صغيرٍ ينام في المزرعة التي أنشأها لنا العسكريون ويأكل من الطعام الذي يرميه لنا العسكريون. لا حق لنا في التسائل حول عدد الدجاجات التي قتلها صاحب المزرعة لكي يحافظ على بقيتنا نحن الدجاج (حسبما يزعم).

في تقديري نجح الفن هذه المرة أن يُشّرح لنا العقلية العسكرية تشريحًا دقيقًا ليرينا أدق تفاصيل طريقتها في التفكير ورؤية الأمور ورؤيتها لنا نحن الشعب. عرض لنا المؤلف في هذه الدقائق القلائل رؤية العسكري للقتل، إنه يقتل لأنه يعرف ما لا نعرف، ويقتل لينقذ أرواحًا. عندما يعاقب من لا يحق له عقابه فهو لأنه يعرف ما لا نعرف، ويعاقب ليحافظ على حياتنا. 
وُفق الفيلم أيضًا في عرض رؤية العقلية العسكرية لذاتها؛ فهي تعي أن البعض يمقتونها ويرون في وجودها وقيامها "بواجبها" أمرًا كريهًا، إلا أنه ضروري لحماية "الأسوار" وإنقاذ الأرواح، رؤية لا تختلف كثيرًا عن مصطلحات "عمود الخيمة" و"الخط الأخير". 
نجح المؤلف والممثل في أن يوصلوا لنا في أقل من دقيقتين رؤية مركبة ومعقدة لما ينبغي أن نفهمه عن العقلية العسكرية. طبيعي ألا نرى مثل هذه الرؤية على الجدران لأنها لن تتسع لها، لكن القلق كل القلق أن يحتل ما مكانه على الجدران فقط عقولًا وأفهامًا فتعجز عن فهم خصمها وفهم معركتها. 
دائمًا عندما أشاهد هذا الفيلم أجد نفسي أطرح سؤالًا هو عنوان لرواية قديمة، العنوان هو "من يحرس الحرس؟"


ملاحظة:
هذه الرؤية لا تعفي أحدًا من مسئولية القتل والانتهاكات، فالسبب الكامن وراء القتل سواء كان الخيانة أو كراهية الإسلام أو ما سبق ذكره لا يبرر قتل أحدٍ ولا انتهاك حقوقه.
إقرأ المزيد

الاثنين، 2 سبتمبر 2013

المترو

من تلات سنين بعد التخرج ومن وقت ما بدأت اشتغل وأنا بعتمد على المترو كوسيلة مواصلات للتنقل أو للوصول للعمل وده لأني سكنت في تلات أماكن قريب منهم مترو (السيدة زينب-حدائق المعادي-حدائق حلوان).  من سنة ونص تقريبًا ساكن في حدائق حلوان وبعدي على 22 محطة مترو لغاية ما أروح الشغل أو أرجع.
المترو كوسيلة مواصلات بيرحمك شوية من التوقف المتواصل للطريق لو أنت راكب مكروباص. لكنه مش بيرحمك من الزحمة. الزحمة اللي بتبقى قاتلة أحيانًا وبالذات في ساعات النهار في الصيف.
مع الوقت بتتعود على المترو وبتتعود على الزحمة. وتبدأ بقى تكتشف فوائد ركوب المترو:

بتعرف ايه آخر الخزعبلات اللي نزلت لما يبقى معاك راكب من إخواننا الفلول (مش بستحمل أقعد أسمعهم على التليفزيون فبسمعهم في المترو). من أظرف تلك الخزعبلات كان واحد بيقولي انت عارف ان كلمة فلول دي أصلها فارسي وأول واحد قالها هو الخميني؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

النهاردة مثلًا وأنا راجع أنا والمدام في المترو اتنين ستات راكبين معانا وواحدة تبصلي وتضحك وواحدة تبص لمراتي وتضحك ايه السبب مش عارف، ربنا يبسطها كمان وكمان هنعمل ايه 
النقاشات السياسية بتبقى حامية جدًا في المترو، فترة الانتخابات الرئاسية كان كل قطر في المترو عبارة عن مناظرة سياسية هامة جدًا(شاركت في كتير منها دعمًا للدكتور مرسي مع اني منتخبتوش) وتشوف بقى الخناقات والصراخ والزعيق في كل عربية. الفترة بتاعة تمرد وتجرد ملحقتش كتير منها عشان الوقت ده كان عندي امتحانات ومكنتش بنزل كتير لكني متأكد انها لا تقل حدة عن فترة الانتخابات الرئاسية.
الناس الكبيرة اللي بتركب المترو دول لوحدهم قصة تاني، واحد كان قاعد في المترو شكله كبير جدًا في السن ومصر ينتقد الإخوان لأنه مش معتقد بصحة تدينهم وشايف إن من أحسن عصور الإسلام في مصر هو عصر الملك فاروق، وقتها كانت الناس أمينة ومحترمة وملتزمة وقول زي ما انت عاوز.
كمان ممكن موبايلك يتسرق في المترو ودي حاجة يمكن مش بيعدي أسبوع غير لما أشوفها بتحصل وحصلت معايا شخصيًا من شهرين. وده بيسمح بحركة تجارية ناشئة عن إعادة بيع موبايلك في السوق، بالإضافة إن لو كان عندك سمارت فون بينشأ عندك إدمان ليه وبالتالي لازم هتشتري واحد جديد، وأدي فلوس بتخش السوق برده. وبتعرف أحدث الموبايلات اللي نزلت لما تلاقي واحد بيسأل واحد على موبايل جديد ويقوله ده كذا وكذا ومواصفاته كذا (في ناس مش بتبقى حابة تحكي لكن الشخص التاني بيبقى ملح).
 القراءة في المترو برده ممتعة جدًا ولو بتعرف توزن نفسك كويس ممكن تقرا وانت واقف من غير ما تقعد على كرسي. ساعتها بتلاقي الوقت بيعدي هوا.
في أنواع سلع كتير بتتباع في المترو، أي حاجة ناقصاك ممكن تلاقيها في المترو.
كل واحد في المترو ليه تجاربه وحكاياته وليه انطباعاته عن محطات المترو، زي مثلًا ما يلي:
محطة كوبري القبة: ناس كتير جدًا بتنزل فيها الصبح وهي محطة أثيرة عندي عشان بزورها ست مرات في الأسبوع على الأقل
محطة منشية الصدر: بتاعة طلبة جامعة عين شمس 

محطة الدمرداش: أول محطة مترو ركبتها في القاهرة لما كنت ساكن في العباسية، بركب منها لما أبقى راجع من الجامعة 

محطة غمرة: كنت بركب منها وإليها أيام ما كنت بزور أحمد عادل صديقي قبل ما يبقى جاري 

محطة رمسيس: أم الزحمة، أم الزحمة، أم الزحمة 

محطة أحمد عرابي: المحطة اللي بعد رمسيس (وبس) 

محطة جمال عبد الناصر: دار القضاء العالي ومكتبات هيئة الكتاب
السادات: التحرير وشارع طلعت حرب (ودار الشروق) وكوبري قصر النيل
سعد زغلول: ركبتها يوم 25 يناير 2011 بالليل ولا كنت أعرف ان في مظاهرات ولا أي حاجة غير لما الناس بتقول في قنابل الغاز والمترو موقفش في التحرير 
السيدة زينب: وما أدراك ما السيدة زينب، سكنت هناك تلات شهور بس كانت من أحسن الفترات في حياتي. وكنت معتمد على المترو بشكل أساسي في المواصلات وبالذات في الرجوع. أيام حلوة فعلًا وبفتكرها لما أعدي هناك.

الملك الصالح: بفتكر واحد كان صاحبي كان بيتشغل قرب المحطة دي، دلوقتي يمكن هو مش معتبرنا أصحاب (هو نفس الشخص اللي اتهمني بالخسة والدناءة في تدوينة موهبة قاتلة).

مار جرجس: محطة صفراء بالكامل

الزهراء: نزلة الدائري ومشوار كارفور وصقر قريش

دار السلام: ابعد عن الباب بقولك تاني ابعد عن الباب، الصين الشعبية والزحمة الفظيعة الصبح، موبايلي اتسرق هنا :(، كل ما أعدي من هناك ببص لا إراديًا على آخر الرصيف أدور على الشخص اللي سرق موبايلي (هيروح من ربنا فين)

حدائق المعادي: سنة كاملة من عمري قضيتها بركب من وإلى المحطة دي، فترة جميلة مع محمد بركات ونفس الشخص اللي قولت عليه فوق، أول شقة أأجرها أنا وأكتب عقدها أنا، شارع حسنين الدسوقي ومحمد بتاع عربية الفول وكشري الإمبراطور وشارع الحرية والطيبين بتاع الحلويات ومخبز الهدى وشارع |أحمد زكي ومواصلات فايدة، كل ده بفتكره لما أعدي هناك، قضيت فيها يوم من أجمل أيام عمري لما خطبت وأنا قاعد في الشقة دي وأهلي جم وقتها قعدوا عندي هناك في نوفمبر 2011، المحطة بقالها تلات سنين بتتصلح

المعادي: عربيات صقر عشان أروح لخطيبتي (مراتي حاليًا) وجاد اللي بحب أفطر عنده وكورنيش المعادي أحلى كورنيش فيكي يا قاهرة والريحة الحلوة اللي في المحطة

ثكنات المعادي: محطة شبه فاضية بس منطقة جميلة ونضيفة جدًا

طرة البلد: العكننة لما القطر يجرش هناك وانت تعبان وعلى آخرك مش قادر تنزل عشان تغير، والصبح بدري القطر ده بيطلع من المحطة وبيبقى فاضي وبروح أركبه من هناك وبتبسط (شيء يستحق المقارنة)

كوزيكا: المحطة اللي بعد طرة (وبس)

طرة الأسمنت: الفراغ القاتل الفراغ الفظيع الصحراء، في موبايلات كتير بتتسرق هناك خد بالك

المعصرة: الصعايدة والباب اللي بيفتح عكس

حدائق حلوان: بيتي ومنطقتي حاليًا، زحمة شوية الصبح وآخر النهار ناس كتير بتنزل فيها برده

وادي حوف: مش بروحها ومش من ضمن المحطات بس منطقة هادية جدًا وكان نفسي ألاقي شقة هناك (النصيب بقى)

ملاحظة هامة

الموبايل بتاعي اتسرق وأنا بكتب تدوينة سكرة الفاشية
إقرأ المزيد